يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )

193

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر )

قال أبو عمر : قد تقدم من تفسير ابن المبارك وأبى عبيد لمعنى الأصاغر في هذا الباب ما رأيت . وقال بغض أهل العلم : إن الصغير المذكور في حديث عمر وما كان مثله من الأحاديث إنما يراد به الذي يستفتى ولا علم عنده ، وأن الكبير هو العالم في أي سن كان . وقالوا : الجاهل صغير وإن كان شيخا ، والعالم كبير وإن كان حدثا . واستشهدوا بقول الأول : تعلم فليس المرء يولد عالما * وليس أخو علم كمن هو جاهل وإن كبير القوم لا علم عنده * صغير إذا التفت إليه المحافل واستشهدوا بأن عبد اللّه بن عباس كان يستفتى وهو صغير ، وأن معاذ بن جبل وعتاب ابن أسيد كانا يفتيان الناس وهما صغيرا السن ، وولاهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الولايات مع صغر سنهما ، ومثل هذا في العلماء كثير . ويحتمل أن يكون معنى الحديث على ما قال ابن المعتمر : عالم الشباب محقور ، وجاهله معذور ، واللّه أعلم بما أراده . وقال آخرون : إنما معنى حديث عمرو بن مسعود في ذلك أن العلم إذا لم يكن عن الصحابة كما جاء في حديث ابن مسعود ، ولا كان له أصل في القرآن والسنة والإجماع ، فهو علم يهلك به صاحبه ، ولا يكون حامله إماما ولا أمينا ولا مرضيا كما قال ابن مسعود . وإلى هذا نزع أبو عبيد رحمه اللّه . ونحوه ما جاء عن الشعبي : ما حدثوك عن أصحاب محمد فشد عليه يديك ، وما حدثوك به من رأيهم فبل عليه . ومثله أيضا قول الأوزاعي : العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما لم يجيء عن واحد منهم فليس بعلم . وقد ذكرنا خبر الشعبي وخبر الأوزاعي بإسناديهما في باب معرفة ما يقع عليه اسم العلم حقيقة من هذا الكتاب والحمد للّه . وقد يحتمل حديث هذا الباب أن يكون أراد أن حق الناس بالعلم والتفقه